ابن الجوزي
188
صيد الخاطر
من ذلك الأمر المؤثر ، فلم أر ذلك إلّا بأن قلت لها : قدري أن هذا الأمر مباح قطعا ، فو اللّه الذي لا إله إلا هو ، لا عدت إليه . فانقطع طمعها باليمين والمعاهدة . وهذا أبلغ دواء وجدته في امتناعها لأن تأويلها لا يبلغ إلى أن تأمر بالحنث والتكفير . فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن ، وترك الرخص فيما يجوز إذا كان حاملا ومؤديا إلى ما لا يجوز . واللّه الموفق . 144 - سكرة الهوى لولا غيبة العاصي في وقت المعاصي كان كالمعاند غير أن الهوى يحول بينه وبين الفهم للحال ، فلا يرى إلا قضاء شهوته ، وإلا فلو لاحت له المخالفة خرج من الدين بالخلاف ، فإنما يقصد هواه فيقع الخلاف ضمنا وتبعا . وأكثر ما يقع هذا في مقاربة الفتنة ، وقلّ من يسلم عند المقاربة ، لأنه كتقديم نار إلى حلفا « 1 » . ثم لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظة ، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر ، لما قرب منه ولو أعطي الدنيا ، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك . آه كم من معصية مضت في ساعاتها كأنها لم تكن ثم بقيت آثارها ، وأقلها ما لا يبرح من المرارة في الندم . والطريق الأعظم في الحذر أن لا يتعرض لسبب فتنة « 2 » ولا يقاربه . فمن فهم هذا وبالغ في الاحتراز كان إلى السلامة أقرب . 145 - دع المباحات فربما آذت في الدين البلايا على مقادير الرجال . فكثير من الناس تراهم ساكنين راضين بما عندهم من دين ودنيا ، وأولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة ، أو علم ضعفهم عن
--> ( 1 ) نبت من نبت البادية سريع الاشتعال ، يريد ان اجتماع المرأة والرجل في معرض الفتنة كاجتماع النار والبارود ، فإذا اجتمعا ولم يكن انفجار ، جاز أن يختلط الجنسان الاختلاط الذي نراه الآن ، ثم لا يكون سفاد ولا فساد . وهيهات ! ( 2 ) فلا يزج بابنه أو بنته في أماكن الاختلاط ، ولو كانت أماكن علم . ولو كان من ورائها « علم » الأولين والآخرين .